في الأسبوع المقبل، سيحدّد العامل الجيوسياسي إلى حدّ كبير نبرة تداول زوج اليورو/الدولار الأمريكي (EUR/USD). سيركّز المتداولون على المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، المقرر أن تبدأ يوم الأحد في سويسرا. سيتوقف اتجاه حركة السعر بدرجة كبيرة على انطلاق الحوار والتصريحات الأولى الصادرة عن المشاركين فيه.
إذا بدأ بالفعل مسار المفاوضات، فسيرتفع الإقبال على الأصول ذات المخاطر في السوق، وهو ما سيدعم العملة الأوروبية. وعلى العكس من ذلك، إذا تعثرت المناقشات، فسنشهد مجددًا تزايدًا في نزعة تجنّب المخاطر، وسيكون الدولار الأمريكي المستفيد الرئيسي من ذلك.
في هذا السياق، ستؤدي البيانات الكلية دورًا ثانويًا داعمًا، إمّا عبر تضخيم تأثير العامل الأساسي الرئيسي أو إضعافه.
الجغرافيا السياسية
الوضع هنا معقّد ومتشابك وغير قابل للتنبؤ. تدفق المعلومات يتغير بوتيرة متسارعة أشبه بكاليidoscope، ما يعني أن أفق الأحداث الزمني يقتصر حرفيًا على بضعة أيام، وأحيانًا على بضع ساعات فقط.
كما هو معلوم، توصلت الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي إلى اتفاق على وقف إطلاق نار كامل لمدة 60 يومًا خلال فترة المفاوضات؛ إلا أن الطرفين لم يتمكنا من الشروع في حوار مباشر وجهًا لوجه بسبب التصعيد في جنوب لبنان. بالإضافة إلى ذلك، أعلن الحرس الثوري الإسلامي يوم السبت إغلاق مضيق هرمز كـ"رد على الضربات الإسرائيلية في لبنان".
مع ذلك، لا يزال مسار التفاوض "حيًا". فقد وصلت نائبة الرئيس الأميركي، Vance، إلى سويسرا يوم الأحد لإجراء محادثات مع ممثلي إيران. ووفقًا للمعلومات الأولية، ستبدأ المشاورات بين واشنطن وطهران مساء الأحد وقد تستمر عدة أيام، تبعًا لتقدمها واستعداد الطرفين لتقديم التنازلات. وأشارت Vance إلى أن أولوياتها خلال المفاوضات هي إحراز تقدم في الملف النووي وتحقيق وقف لإطلاق النار في لبنان. وتجدر الإشارة إلى أن إيران كانت قد طالبت سابقًا بأن تمارس الولايات المتحدة نفوذها على إسرائيل (في سياق مواجهتها مع حزب الله وشنها ضربات على الأراضي اللبنانية)، مهددة بالانسحاب من المفاوضات إذا لم يحدث ذلك. وتعقّد الوضع ينبع من أن إسرائيل ليست طرفًا رسميًا في هذه الترتيبات، ما يترك لها حرية الحركة.
ما إذا كان الطرفان سيتمكنان من فك هذا "اللغز العصِي" والتوصل إلى تسوية تظل مسألة مفتوحة. وفي الأثناء، فإن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير المسار المستقبلي لزوج EUR/USD. فأي تصريحات تصدر عن المشاركين في العملية التفاوضية أو أي أخبار قادمة من الشرق الأوسط يمكن أن تغيّر مزاج السوق على الفور وتثير إعادة تقييم حادة للتوقعات الحالية. في مثل هذه الظروف، سيكون العامل الجيوسياسي هو المحدِّد الرئيس لديناميكيات شهية المخاطرة وأصول الملاذ الآمن، وبالتالي لاتجاه إعادة توزيع رؤوس الأموال بين الدولار واليورو.
البيانات الكلية
كما ذُكر أعلاه، ستؤدي التقارير الاقتصادية دورًا ثانويًا، لكنها يمكن أن تعمل كنوع من "المضخِّم" لحركة السوق، عبر توفير زخم إضافي وتأكيد أو تخفيف تأثير المحرّك المعلوماتي الأساسي.
يوم الثلاثاء 23 يونيو، ستُنشر قراءات مؤشرات PMI. ووفق التوقعات الأولية، يُنتظر أن تُظهر المؤشرات الأوروبية ارتفاعًا طفيفًا لكن إيجابيًا. على وجه التحديد، من المتوقع أن يرتفع مؤشر مديري المشتريات الصناعي في ألمانيا من 50.1 إلى 50.2. ومن المهم لمشتري زوج EUR/USD أن يبقى هذا المؤشر في منطقة التوسع، أي فوق مستوى 50 نقطة. كما يُتوقَّع أن يرتفع مؤشر مديري المشتريات للخدمات في ألمانيا في يونيو إلى 49 نقطة، مقابل 48.1 في مايو. ومن المنتظر أن يُسجَّل اتجاه مماثل في مؤشرات PMI الأوروبية الكلية: إذ يُتوقَّع أن يرتفع مؤشر القطاع الصناعي إلى 51.8 (من 51.6)، بينما يُتوقَّع أن يرتفع مؤشر قطاع الخدمات إلى 48.6 (من 47.7).
في اليوم التالي، 24 يونيو، ستُنشر مؤشرات IFO لألمانيا عن شهر يونيو. ويُنتظَر أيضًا أن تُظهر هذه المؤشرات ديناميكيات إيجابية. إذ يُتوقَّع أن يرتفع مؤشر مناخ الأعمال إلى 85.6 (من 84.9 في مايو)، وأن يرتفع مؤشر التوقعات الاقتصادية إلى 85.0، مقابل 83.8 سابقًا.
قد يوفر نمو أقوى من المتوقع في مؤشرات PMI وIFO دعمًا إضافيًا لليورو – ولكن فقط إذا سارت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في مسار إيجابي.
أما أهم التقارير الاقتصادية بالنسبة للدولار فستصدر يوم الخميس 25 يونيو.
أولاً، سنتعرف على القراءة النهائية للناتج المحلي الإجمالي الأميركي عن الربع الأول. وللتذكير، جاءت التقديرات الأولية مخيبة للآمال (للمتفائلين بالدولار): فبعد التقدير الأولي عند 2.0%، جرى خفض تقييم نمو الاقتصاد الأميركي في المراجعة الثانية إلى 1.6% على أساس سنوي. ورغم أن هذه القراءة ما زالت تعكس تسارعًا مقارنة بالضعف الواضح عند 0.5% في الربع الرابع من العام الماضي، فإن الديناميكيات الإجمالية جاءت دون التوقعات بسبب تراجع مخزونات الشركات وبعض الفتور في الطلب الاستهلاكي. ويعتقد معظم المحللين أن القراءة النهائية ستبقى عند مستوى المراجعة الثانية، أي 1.6%. وإذا جرى خلافًا للتوقعات تعديل القراءة النهائية، فسيكون للتقرير أثر ملموس على الدولار، وسيعتمد هذا الأثر على اتجاه ذلك التعديل.
ثاني أهم إصدار يوم الخميس سيكون مؤشر Core PCE، وهو مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة. وقد أظهر هذا المؤشر اتجاهًا صعوديًا للشهر الثاني على التوالي، مرتفعًا إلى 3.3% على أساس سنوي في أبريل. ورغم أن الزيادة الشهرية تباطأت إلى 0.2%، فإن القراءة السنوية ما زالت تفوق بوضوح هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2.0%، ما يدفع البنك المركزي إلى الحفاظ على موقف متشدد نسبيًا (فوفقًا للمخطط النقطي المحدَّث، يترك البنك الباب مفتوحًا لرفع أسعار الفائدة في النصف الثاني من العام). علاوة على ذلك، رفع الاحتياطي الفيدرالي بعد اجتماع يونيو توقعاته لنمو مؤشر PCE إلى 3.6% بدلًا من 2.7% المتوقعة في مارس. ويُتوقَّع أن يبقى مؤشر Core PCE في مايو عند مستوى أبريل نفسه، أي 3.3%. وأي تحرك أعلى من هذه القراءة سيُعدّ تأكيدًا على استدامة الاتجاه التضخمي، وبالتالي دعمًا للدولار.
مع ذلك، وكما أُشير أعلاه، فإن النبرة العامة لتداولات زوج EUR/USD ستُحدَّد أساسًا من خلال الأجندة الجيوسياسية. فإذا تطورت الأحداث لاحقًا وفق سيناريو التهدئة، فقد يعود الزوج إلى نطاق 1.15 ويتماسك فوق مستوى المقاومة عند 1.1580 (الخط الأوسط لمؤشر Bollinger Bands المتطابق مع خط Kijun-sen على الإطار اليومي D1). أما في حال تطور الأحداث عكس ذلك، فقد يعود الزوج إلى القاع ضمن نطاق 1.14 ويحاول كسر مستوى الدعم عند 1.1410 (الخط السفلي لمؤشر Bollinger Bands على الرسم البياني للأربع ساعات).